كلما شاهدتُ ضياع الكثيرين من حولي وانصياعهم لوساوس الشيطان , كلما ازددتُ رغبةً وإصراراً في تكملة بناء هذا الموقع الذي سأحاول بمشيئة الله أن أنشره لأكبر عدد ممكن من البشر الغافلين عن حقيقة حياة الدنيا!

 أوفف ... وبعدين مع هالحياة هاي؟!

  أنا ازهقت ومليت من هالعيشة , كلها هموم ونكد وتعب , مش عارف من وين بدي ألاقيها ولاَ من وين؟! إيمتى بدي أرتاح وأشعر بالسعادة وأتخلص من كل همومي؟!!!

 

من المؤكد أن تلك التساؤلات قد خطرت في بالك في الظروف المعيشية الصعبة التي تواجهها هذه الأيام, ولكن هل تعرف حقاً سبب ذلك الشقاء؟ وهل تعرف المعنى الحقيقي للسعادة؟ وهل تعرف أين كنت قبل أن تهبط إلى الأرض وتواجه هذه الحياة الصعبة؟ ومتى ستنتهي هذه الحياة الدنيا المليئة بالشقاء والهموم والمتاعب؟

حتى نفهم كل شيء , يجب أن نعود إلى الوراء إلى البداية , إلى بداية خلقنا جميعاً , هناك في عالم الذرّ خُلقنا جميعاً دفعة واحدة حين مسح الله عزّ وجل ظهر سيدنا آدم وخرجنا جميعاً من ظهور آبائنا ذُريّة من بعد ذُريّة , جميع البشرية خرجت معاً, التي وُلدت في الأرض والتي لم تولد بعد , كلنا شهدنا بأن الله هو ربنا جميعاً وشهدت الملائكة علينا كي لا نقول يوم القيامة أننا كنا عن ذلك غافلين.

" وإذ أخذ ربُك من بني آدم من ظهورهم ذريتهُم وأشهدهم على أنفسهِم ألستُ بربِّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنّا عن هذا غافلين , أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكُنّا ذرية من بعدهم أفتُهلكنا بما فعل المُبطلون " الأعراف 172

نعم لقد كنّا جميعاً هناك في عالم الذرّ ولا يزال هناك من ينتظر أن يُولد على الأرض , لقد خلقنا الله جميعاً من نفسٍ واحدة

 " ما خلقُكُُُم ولا بعثُكم إلا كنفسٍ واحدة إنّ الله سميعٌ بصير " لقمان 28


" يا أيّها الناس اتقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً "
النساء 1

يشرح الله تعالى لنا مراحل خلق الإنسان الذي بدأ في الرحم بنُطفة ثم أصبح علقة ثم أصبح مُضغة ثم أصبح عظام ثم كسى العظام لحماً ثم أنشئه خلقاً آخر بنفخ الروح في جسد الجنين وهبوط النفس إلى الجنين.

" ولقد خلقنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طين , ثم جعلناهُ نطفةً في قرارٍ مكين , ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مُضغة فخلقنا المُضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين , ثم إنكم بعد ذلك لميتون , ثم إنكم يوم القيامة تبعثون " المؤمنون 12

ترتيب أحداث خلقنا وهبوطنا إلى الأرض كما وردت في القرآن الكريم ...
1. في البداية خلق اللهُ سبحانه وتعالى سيدنا آدم ثم خلق زوجته حواء ثم خلق جميع ذرية آدم
2. ثم طلب الله سبحانه وتعالى من الملائكة وإبليس السجود لسيدنا آدم لتكريمه
3. سجد جميع الملائكة إلا إبليس الذي كان من الجنّ رفض واستكبر
4. طرد اللهُ إبليس من الجنة لإمتناعه عن السجود
5. طلب إبليس من الله أن يبقيه حُرّاً حتى يوم البعث ليُبعد آدم وذريته عن الصراط المستقيم
6. أعطى الله سبحانه وتعالى إبليس مُهلة إنتظار حتى يوم البعث ليعيش حُرّاً في الأرض
7. أدخل اللهُ سبحانه وتعالى آدم وحواء إلى الجنة وحذرهم من الإقتراب من شجرة معينة
8. إنتقاماً لخروج إبليس من الجنة وسوس إبليس لآدم وحواء حتى يُطردا من الجنة
9. تمكن إبليس من إقناع آدم وحواء بأن يذوقا الشجرة
10. خرج آدم وحواء من الجنة وهبطا إلى الأرض إلى يوم القيامة

" ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين , قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين , قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبّر فيها فاخرج إنك من الصاغرين , قال أنظرني إلى يومِ يُبعثون , قال إنك مِنَ المنظرين , قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم , ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجدُ أكثرهم شاكرين , قال اخرج منها مذئوما مدحوراً لَمَن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين , ويا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنة فكُلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين , فوسوس لهما الشيطان ليُبدي لهما ما وُوري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين , وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين , فدلاّهما بغرور فلمّا ذاقا الشجرة بدَت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدوٌّ مُبين , قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين , قال اهبطوا بعضُكم لبعضٍ عدوّ ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين , قال فيها تحيَونَ وفيها تموتون ومنها تُخرجون , يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سوءاتكم وريشاً ولباسُ التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذّكرون , يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطانُ كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسَهما ليُريهُما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياءَ للذين لا يُؤمنون  " الأعراف 11
بإختصار , طُرد إبليس من الجنّة بسبب امتناعه عن السجود لسيدنا آدم , وإنتقاماً لذلك سيُحاول إبليس بكل الطرق أن يُبعدنا عن الطريق التي ستأخذنا إلى الجنة وأن يجرّنا معه إلى جهنم حين يدخلها.
" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا , قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لئِن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذريته إلا قليلاً , قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاءاً موفوراً, واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورَجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا , إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً "
الإسراء 61

ما سبب هذا الشقاء؟ سبب ذلك هو عدم إتباع هداية الله تعالى والإبتعاد عن ذكره ...
" فمن اتبع هُداي فلا يضلّ ولا يشقى , ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً "
طه 131
 

المستقبل إلى أين؟

العالم يتحوّل بالتدريج وبطريقة شيطانية خبيثة إلى عالم من البيع والشراء والتسويق والتربّح والجري وراء المكاسب والعائد المادي دون أي اعتبار لأديان أو أخلاق أو مبادئ أو مُثُـل.
سوق شريرة وبورصة نشطة وأيد تتسابق إلى الدولار والمارك والفرنك ثم المزيد من الدولار والمارك والفرنك ثم المزيد .. بدون نهاية وبدون أفق للشبع وبدون حد للقناعة .. الذي عنده الألف يجري وراء المليون والذي عنده المليون يجري وراء المليار .. ثم لا أثر في النفوس لمبدأ أو قيمة أو أخلاق أو مثاليات .. والموت أقرب إلى الكل من شراك نعالهم وهو لاحق بهم في الطريق وفي الشارع وفي العربة وفي الطائرة وفي الفراش .. ولا أحد يُفكر لحظة في هذا الإحتمال .. بل الواحد منهم يسقط ميتاً فجأة في غباء .. وفي علامة استفهام تسخر من كل شيء وتسخر منه ومن كل ما فعل.
النفوس تحوّلت إلى جوع أكّال إلى المادة .. وتحجّرت القلوب وضمرت العواطف واختفى النبل وضاع الحب ومات الخيال.
والإنسان أصبح أكثر قسوة وأكثر وحشية وأكثر غلظة بما لا يُقاس بجرائم الأمس. حدث هذا التحوّل لإنسان اليوم ببطء وأصابه دون أن يدري .. وهو يتصوّر أنه يتقدم ويظن أنه يتحضّر .. ويترقى .. ويتهذّب .. ويتهندم , ألا يستعمل الكومبيوتر والتلفون المحمول والإنترنت ويمتلك "الدش" ويقود المرسيدس ويتكلم الإنجليزية ويتعامل بالفيزاكارد ويشترك في نادي الطبقة الهاي لايف ..؟!!! إذن فهو متحضّر بكل المقاييس , ولكنه يموت فجأة ويتحوّل إلى رمة نتنة ويستولي على ملايينه من كان يمقتهم ويكرههم .. ألم يتوقف لحظة أثناء حياته ليُفكر في هذه النهاية الساخرة التي تصفعه على وجهه ..؟!!
لا إنه لم يتوقف .. لإنه كان يهرول ويهرول ولا يرى شيئاً حوله ولا أمامه سوى هذه الرموز البراقة التي تخطف بصره في الفاترينة الإستهلاكية وفي السوبرماركت وفي الموضة التي فرضت نفسها على الكل. إن بصمة الشخصية اليهودية المادية أصابت العصر كله ودمغت الذين يعيشون فيه كباراً وصغاراً ولوّنت أحلامهم ورغباتهم عن طريق التليفزيون والصحيفة والكتاب والمدرسة والشارع والمسرح والسينما والنادي.
لقد استطاع الإعلام المادي الإستمتاعي والإستهلاكي عن طريق هذه الأبواق وهذا النفير المؤثر الذي يلحّ على العين وعلى الأذن أن يُفسد حياتنا كلها ويُلونها باللون الذي يُريده .. ووصل الأمر إلى أن الحكومات والدول الرشيدة أصبحت تتخوّف من ألوان الإعلام الأخرى .. مثل الإعلام الديني والإعلام الثقافي الرفيع .. وتفضل هذا اللون من إعلام الملهاة والتسلية وقتل الوقت لإلهاء شعوبها عما تتصوّر أنه يُفضي بها إلى الوعي الضار. وإيثاراً للسلامة أصبح هذا اللون من الإعلام هو طابع العصر في كل العالم وأصبح هذا الإفساد المادي مُقرراً على الجميع. ولا أختص اليهود بالمسئولية بل كل من ساهم من جميع النحل والملل في هذا الإتجاه هم مشاركون في الجريمة.
ولقد تهوّد الجميع بهذه الملة المادية على اختلاف أديانهم .. البعض عن مزاج شخصي والبعض عن حُسن نية والبعض عن غفلة .. والبعض لمجرد التقليد .. والبعض لأهداف أخرى. والنتيجة هي هذا العصر المادي الشرس الذي وقع الكل في شباكه .. وهذه النفسية المادية التي أصبحت طابع هذا الزمان .. ثم النتيجة الأخطر وهي تراجع القيم الدينية والأخلاق والمثاليات وانطفاء النبل وغياب الشهامة وندرة الطهارة.
وكانت الدول النامية ودول العالم الثالث أكثر من تأثر بهذه الموضة الإعلامية الوافدة وأكثر من التقطها بشغف وبالغ فيها وجعل منها هدفاً ورسالة .. وأصبح طابع إعلام تلك الدول هو الطابع الترفيهي .. وأصبح الإلهاء والتسلية وقتل الوقت هدفاً وغاية تتسابق فيها وتتصور أنها علامة تقدّم.
إلام يسير بنا هذا المنحدر؟
ما مستقبل الثقافة الجادة أمام هذا التيار الجارف ..؟؟
وهل ندرك بوعي هذا الإفساد الذي نسير فيه برغبتنا واختيارنا ..؟؟
وكيف أقنعنا أنفسنا بأن قتل الوقت يُمكن أن يكون هدفاً ..؟؟!!
وهل الثقافة هي إحياء الوقت أم قتل الوقت ..!!!
وكيف نشكو من شيوع الفساد في مجتمعنا ونحن نصنعه ..؟!
هي أسئلة للتأمل والتفكر ووقفة إخلاص مع النفس لا بدّ منها.

الجات ( منظمة التجارة العالمية )

وفي موجة التجارة وفي حمّى البيع والشراء كان الزبون الغلبان الذي تتقاذفه أرجل الدول الكبرى وتشوطه بأسعارها واحتكاراتها هو الدول النامية. وآخر " شوطة " أصابت واخترقت مرمى هذه الدول الغلبانة كانت قوانين الجات .. وبالنسبة لصناعة ناشئة مثل صناعة الدواء في تلك الدول كان تطبيق الجات معناه إفلاس وإغلاق هذه المصانع وتشريد عمالها وإغلاق أبوابها بالضبّة والمفتاح فسوف تضطر هذه المصانع إلى شراء الخامات الدوائية الأولية من منابعها الأوروبية والأمريكية وبالأسعار الأوروبية والأمريكية أي بستة أضعاف السعر الذي كانت تشتري به تلك المواد من الأسواق الأخرى المفتوحة .. وما كانت تشتريه باثنين مليار دولار سوف يُكلفها 12 مليار دولار .. لأن قوانين الجات (حماية مُلكية الإختراع) سوف تجرم تقليد هذه الإختراعات وتمنع هامش السماح الذي كان يُتيح للأسواق المفتوحة بيعها بأسعار تنافسية. وفي هذا الحصار المُحكم لن يسقط إلا المنتج الغلبان والصانع المبتدىء.
إن الوجه البريء للجات يخفي كارثة بالنسبة للصناعات الناشئة في الدول النامية ورفع الحماية الجمركية عن هذه الصناعات وفتح الأسواق للمنافسة الشرسة من الدول الأكبر سوف يقضي على اقتصاد تلك الدول. وما سوف يجري على صناعة الأدوية سوف يجري على الصناعات الأخرى.
إنها حرب صامتة واستنزاف خبيث للمستهلك الفقير وللشعوب الفقيرة التي سوف تدفع دم قلبها لتشتري ضرورياتها من العلاج والأجهزة الإلكترونية ووسائل الإنتقال ووسائل الإتصال ومستلزمات الزراعة والصناعة والإنتاج.
ومعناها أن الخدم سوف يتحوّلون إلى عبيد والأحرار سوف يتحوّلون إلى رقيق وأسرى اللقمة .. للمستعمرين القدامى .. هذه المرة استعمار جديد بدون غزو وبدون عسكر .. غزو عقول وأمخاخ .. وهو أمر يؤكد حكاية التحوّل الخبيث الذي تكلمنا عنه في أول المقال .. تحوّل العالم الإنساني إلى عالم شرس بلا قلب وبلا رحمة وبلا إنسانية .. إلى مجرد طاحونة من المكاسب والثراء المادي الفاحش في ناحية وفقر مُدقع في الناحية الأخرى .. وآلة استغلال جهنميّة تستنزف الضعفاء لحساب الأقوياء.
وفي عالم لا يُؤمن بأي شيء غير يومه ولحظته .. وفي غياب الأديان وفكرة الحساب .. كل شيء يغدو مُمكناً .
الشاطر يغلب ..
والأقوى بالمال يُصبح صاحب الكلمة .
هل هناك حلّ ..؟؟
بالنسبة للضعفاء لا يوجد إلا حلّ واحد .. هو ركوب قطار العلم واللحاق بركب الأقوياء قبل أن يُغلق الباب ..
الحرب الوحيدة المُجدية .. هي الحرب على الكسل .. والحرب على الجهل .. والمسارعة إلى الأخذ بالأسباب .. والإعتماد على الذات.
وما فعلته اليابان ونهضتها من الصفر وبلوغها إلى القمة والصدارة .. في سنوات قليلة.
وما فعلته سنغافورة.
وما فعلته ماليزيا .. وما فعله الحفاة في الصين.
نستطيع أن نفعله.
إنه الحل الصعب .. والدواء المر .. ولكن لا يوجد غيره.
وما دام عندك مخ ويدان ماهرتان .. فلا يوجد عذر.
إن الذي يخترع ويطلب منك حقوق مُلكية اختراعه. لا يوجد ردّ عليه سوى أن تخترع أنت أيضاً وتطلب منه حقوق ملكية اختراعك.
وفي عالم بلا رحمة وبلا إحسان .. لا يبقى للأسف .. إلا حساب .. خذ وهات ..
المصدر : كتاب "زيارة للجنة والنار" دكتور مصطفى محمود , صفحة 123 - 127

الكلام المفيد

نحن نسمع الآن عن زرع القلب وزرع الكلى وزرع الجلد وزرع الكبد وعن بنوك الدم وبنوك العيون ومخازن للأكسسوار البشري حيث يجد الإنسان ما ينقصه من سيقان وأذرع وكبد وكلاوي.
ولن تكون نكتة أن يدخل العريس على عروسه سنة 2000 فيجدها تخلع طقم الأسنان والباروكة والنهود الكاوتشوك والعين الصناعية والأذن الصناعية والقلب الإلكتروني والساق الخشبية وتقول له تعالى يا حبيبي في حضني .. وبالطبع سوف يصرخ الزوج المسكين ويقع مغشياً عليه فلن يبقى من عروسه المزعومة إلا هيكلاً مثل شاسيه السيارة بعد نزع الجلد والكراسي والأبواب.
وفي الواقع إذا كانت عملية نقل الأعضاء تدل على شيء فهي تدل على أن الإنسان في حقيقة الأمر هو "نفس" أولاً قبل أن يكون "جسداً" .. فها هو الجسد يجري فكّه وتركيبه واستبداله دون أن يموت شيء للشخصية وللكيان العام .. لأن هذه الذراع أو تلك الساق أو ذلك الشعر أو العين أو النهد أو الكلى أو الكبد أو حتى القلب .. كل هذه الأشياء ليست الإنسان .. فها هي تنقل وتستبدل وتوضع مكانها بطاريات ومسامير وقطع من الألمونيوم دون أن يحدث شيء فالإنسان إذن ليس القلب والدم واللحم والعظام والأعصاب .. فكل هذه أدوات وآلات "وعدة" مثل الضرس الذي يُخلع ويُستبدل .. وإنما الإنسان هو ذلك الجالس على عجلة القيادة ليُدير هذه الماكينة التي اسمها "الجسد" ويُوجه تلك الآلات التي اسمها العين والأذن واليد والقدم. إنه "النفس" المستخفية وراء هذا الهيكل الفاني. إنها الإدارة التي يُمثلها مجلس إدارة من خلايا المخ ولكنها ليست المخ.
إن المُخ مثله مثل خلايا الجسد يصدع بالأوامر التي تصدر إليه ويعبر عنها ولكنه في النهاية ليس أكثر من قفاز لها .. تلبسه هذه اليد الخفية التي اسمها النفس وتتصرف به في العالم المادي .. أو سنترال تتصل عن طريقه بالدنيا حولها.
وإذا كانت موجة اللاسلكي الأثيرية لا يمكن أن تسمع إلا إذا تم تحويلها عن طريق الترانزستور إلى تيار كهربائي ثم إلى ذبذبة مادية في بوق الراديو .. فكذلك النفس .. أشبه بالموجة الأثيرية في الفضاء منتشرة في كل مكان لكن الجسم المحدود في الزمان والمكان يحوّلها إلى حركة وصوت في الحنجرة وكلام وتعبير وعمل.
"والنفس" بهذه الطريقة تتنزل إلى العالم المادي لتعيش أجلاً محدوداً تعبّر فيه عن نفسها ومكنونها في ذلك العالم ثم تنفصل عنه بمجرد موت الجسد لتعود إلى عالمها الأثيري وهو عالم مختلف عن عالمنا قطعاً فليس فيه الحدود الزمانية والمكانية التي نعرفها.
والبداهة ترفض أن تتصوّر أن الإنسان مجرد "جسد" وأن حظه من الحياة هو هذه الحياة المادية ثم التراب والقبر ثم لا شيء .. بل إن الشعور الفطري الذي يصحو به الإنسان في الصباح يدفع الإنسان إلى التصرف التلقائي على أنه يعيش اليوم وكل يوم ولا يدخل فكرة الموت في أي حساب من حساباته.
كما لو كان الموت شيئاً خرافياً لا وجود له .. ثم شعورنا بالحرية ولو كنا أجساداً مادية ضمن إطار حياة مادية تحكمنا القوانين الحتمية لما كان هناك معنى لهذا الشعور الفطري بالحرية.
وعاطفة الحب التي تتجاوز عتبة المصالح الشهوات والمطالب المادية .. والتضحية بالنفس والفداء .. التي تفترض وجود عالم متجاوز بل تحتم وجود هذا العالم بفعل الشعور الذي يتعالى على نفسه ويقبل الموت كما لو كان هذا الموت في حقيقته حياة. ولذة العمل بدون مقابل ولذة التطوع بدون مكسب وابتهاج الأم بطفلها الذي يعني لها العذاب والسهر والألم من مخاض الميلاد إلى فراش الموت.
كل هذا يقول بإلحاح وبعمق أن الإنسان حقيقة متعالية وأنه ليس ذلك الجسد المتهالك الذي تتخلع أضراسه وتُدق فيه المسامير وتُزرع فيه الأعضاء.
إن الإكتفاء بالجانب المادي من الوجود وإسقاط الباقي على أنه غيبيات ومتاهات .. هذه النظرة تسقط معها كل القيم والمثل وتجعل من الفرد مجرد وجود مؤقت عابر .. مجرد رقم في مجموع والعبرة بالمجموع وليس بالرقم.
والإنسان في إطار الحتمية المادية للظروف والبيئة والتاريخ يتضاءل ليُصبح نملة لا يؤبه لها .. وما أهون أن يهدر دمه إذا خرج عن القطيع. واعتبار الحياة الدنيا هدفاً وحيداً وحقيقة وحيدة سوف تكون نتيجته القتال تكالباً على هذه الحياة حتى الموت دون خوف من حسيب أو رقيب فليس في السماء إله ولا وراء الموت إلا العدم ..
الفكر المادي يحمل معه الكفر والخواء والأخلاقي والسطحية الذهنية واستهداف الكسب المادي العاجل واللحظة العابرة ولا شيء غيرها. ولأن الإنسان يتصوّر أنه لا يملك سوى تلك اللحظة فسوف يتقاتل عليها حتى الموت. وهذا ما نراه في عالم اليوم الجريمة والفساد والدعارة والشذوذ والإرهاب والحرب الأهلية والقتال الذي يمتد سنوات بين الأخوة صراعاً على السلطة حتى تتحول البلاد هدف الصراع إلى خراب وأطلال ولا تعود السلطة التي تقاتل عليها الكل إلا سراباً خادعاً.
وفي دول الشمال .. دول الثراء والوفرة والترف نفاجأ بأعلى معدلات الإنتحار والجنون .. ونسمع عن عصابات خطف الأطفال في بلجيكا وبيعهم لمدمني اللذات الشاذة .. ونقرأ في الدنمارك عن معركة بالسلاح بين عصابة راكبي الموتوسيكلات (ملائكة الجحيم) وعصابة "بنديدوس" التي تنافسها في الإتجار بالمخدرات والدعارة ويسقط القتلى في الشوارع نتيجة هذا العبث .. ونقرأ أن هذه المعارك تمتد لتشمل السويد والنرويج وفنلندا .. بلاد النظافة والفخامة والصحة والشبع والغنى والترف والهاي تكنولوجي. أي علم هذا الذي يُنبت الإنحطاط وأي تقدم هذا الذي يُثمر ذلك الإجرام. إنه العلم المادي والتقدم المادي والحضارة المادية التي بلغت ذروتها ونضجت ثم تعفنت وانتهت إلى الخواء .. ثم بدأت تقضي على نفسها بنفسها.
إن الإنسان ليس مجرد جينات في أنبوبة اختبار .. وليس مجرد ذرات صوديوم وبوتاسيوم وكالسيوم ومنجنيز وفوسفور وكربون. ربما كانت هذه العناصر تؤلف يده وقدمه ولسانه .. ولكن ما تسعى إليه اليد واللسان .. يتجاوز هذه الجزيئات والذرات ويبلغ إلى عنان السماء وإلى ما وراء الوجود .. حينما يصرخ الإنسان منادياً .. يا الله .. تداركني برحمتك .. وهنا .. وهنا فقط .. يبدأ الإنسان رحلة التعرف على نفسه .. ومن هنا فقط يبدأ الطريق .. ويبدأ التقدم الحقيقي .. ويبدأ الأمل وبدون الإيمان بالله لا معنى لأي شيء ولا حكمة للحياة ولا للموت ولا مغزى للوجود كله .. وكل هذا الفلك الدوار يتحوّل إلى عبث في عبث.
المصدر : كتاب "زيارة للجنة والنار" دكتور مصطفى محمود , صفحة 133 - 137

حقيقة حياة الدنيا

تأمل صورة هذه السيدة العجوز. تُرى ماذا يدور في داخلها حول السنوات التي مضت من عمرها؟ إنها مُصابة بالدهشة والإستغراب وتتسائل في نفسها: كيف مرت السنوات من حياتها بهذه السرعة دون أن تشعر بها؟ بل قد تقول :" لم أفهم شيئاً يُذكر من هذه الحياة التي مرّت في لمح البصر"!.

عندما كانت هذه السيدة في العشرين من عمرها وفي ريعان شبابها لم تكن تتصور أبداً أن يد الشيخوخة سوف تطالها في يوم من الأيام ولم يدر ذلك في خيالها. ولو طلبنا من هذه السيدة أن تلخص لنا حياتها التي عاشتها فسوف تقول لك : " لا أستطيع التحدث عن السنوات التي عشتها سوى بضع دقائق معدودة "!.

إن الشخص الذي عاش في خضم كل هذه الأعوام ستتبادر إلى ذهنه بعض الأسئلة المهمة:

- ما الغاية من هذه الحياة التي مرت كلمح البصر؟
- لأي غاية عشت هذا العمر وتلك السنين الطويلة؟
- حسناً! ... ماذا سيحدث بعد الآن؟

>> الإنتقال إلى الموقع السابق <<

لا يزال هذا الموقع تحت البناء والتطوير ... (إياد أبوهيبه) آخر تحديث كان يوم الجمعة 18 يونيو 2010

 

موقع مراحل حياتنا الخمسة - info@5life.info -  نشر محتويات هذا الموقع ضرورية جداً للجميع قبل فوات الأوان!